محمد بن وليد الطرطوشي

112

سراج الملوك

في حاجة مرة واحدة في دهره ، فلم تسعفوا إرادته ، ما كان هذا ظنّه بكم ، والله ليعارضنّكم وليكشفنّ ستوركم ، وليناصحنّ الإسلام فيكم . وأفحش عليهم بهذا ونحوه ، فأجابه شيخ منهم ضعيف المنّة « 1 » . فقال : نتوب إلى الله مما قاله أمير المؤمنين ، ونسأله الإقالة « 2 » . فرد عليه زعيم القوم ، محمد بن إبراهيم بن حيوة « 3 » وكان جلدا صارما - فقال للمتكلم : ممّ نتوب يا شيخ السوء ؟ نحن برآء من متابك . ثم أقبل على الوزير فقال : يا وزير ، بئس المبلّغ أنت ، وكل ما نسبته إلينا عن أمير المؤمنين فهو صفتكم معاشر خدمه ، فأنتم الذين تأكلون أموال النّاس بالباطل ، وتستحلّون ظلمهم بالإخافة وتتحيّفون « 4 » معايشهم بالرّشا والمصانعة ، وتبغون في الأرض بغير الحق ، وأما نحن فليست هذه صفاتنا ولا كرامة ، لا يقولها لنا إلا متّهم في الدّيانة ، فنحن أعلام الهدى وسرج الظلمة ، بنا يتحصّن الإسلام ، ويفرّق بين الحلال والحرام ، وتنفّذ الأحكام ، وبنا تقام الفرائض ، وتثبت الحقوق ، وتحقن الدماء ، وتستحل الفروج ، فهلا إذ عتب علينا سيدنا أمير المؤمنين بشيء لا ذنب لنا فيه ، وقال بالغيظ ما قاله ، تأتّيت لإبلاغنا رسالته بأهون من إفحاشك « 5 » ، وعرّضت « 6 » لنا بإنكاره حتى فهمناه منك فأجبناك عنه بما يصلح الجواب عنه به ، فكنت ترين « 7 » على السلطان ولا تفشي سره ، وتستحيينا بما استقبلتنا به ؟ فنحن نعلم أنّ أمير المؤمنين لا يتمادى على هذا الرأي فينا ، ولا يعتقد هذا المعتقد في صفاتنا ، وأنه سيراجع بصيرته في إيثارنا وتعزيزنا ، فلو كنّا عنده على هذه الحال التي وصفتها عنا - والعياذ بالله من ذلك - لبطل عليه كل ما صنعه وعقده ، من أول خلافته إلى هذا الوقت ، فما يثبت له كتاب من حرب ولا سلم ، ولا شراء ولا بيع ، ولا صدقة ولا حبس ، ولا هبة ولا عتق ، ولا غير ذلك ، إلا بشهادتنا ، هذا ما عندنا والسلام .

--> ( 1 ) ضعيف المنة : يقال رجل منين أي ضعيف ، كأن الدهر ذهب بمنته أي قوّته . ( 2 ) نسأله الإقالة : أي العفو والصفح والتوبة . ( 3 ) في ( خ ) محمد بن إبراهيم بن حيّويه . ( 4 ) الحيف : الجور والظلم . ( 5 ) الإفحاش : القبيح من القول أو الفعل . ( 6 ) التعريض : التلميح ( عكس التصريح ) . ( 7 ) ترين : تغطي ، وهي من الران : الغطاء ، ومنها قوله تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ . قال الحسن : « هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب » . ( مختار الصحاح ص 34 ) .